ابن كثير
256
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
وقوله عز وجل : فَآمَنَ أي هذا الذي شهد بصدقه من بني إسرائيل لمعرفته بحقيته وَاسْتَكْبَرْتُمْ أنتم عن اتباعه ، وقال مسروق : فآمن هذا الشاهد بنبيه وكتابه وكفرتم أنتم بنبيكم وكتابكم إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ وهذا الشاهد اسم جنس يعم عبد اللّه بن سلام رضي اللّه عنه وغيره ، فإن هذه الآية مكية نزلت قبل إسلام عبد اللّه بن سلام رضي اللّه عنه ، وهذه كقوله تبارك وتعالى : وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ [ القصص : 53 ] وقال : إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا قال مسروق والشعبي : ليس بعبد اللّه بن سلام هذه الآية مكية ، وإسلام عبد اللّه بن سلام رضي اللّه عنه كان بالمدينة . رواه عنهما ابن جرير وابن أبي حاتم واختاره ابن جرير . وقال مالك عن أبي النضر عن عامر بن سعد عن أبيه قال : ما سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول لأحد يمشي على وجه الأرض إنه من أهل الجنة ، إلا لعبد اللّه بن سلام رضي اللّه عنه « 1 » . قال : وفيه نزلت وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ رواه البخاري ومسلم والنسائي من حديث مالك به ، وكذا قال ابن عباس رضي اللّه عنهما ومجاهد والضحاك وقتادة وعكرمة ويوسف بن عبد اللّه بن سلام وهلال بن يساف والسدي والثوري ومالك بن أنس ، وابن زيد أنهم كلهم قالوا : إنه عبد اللّه بن سلام . وقوله تعالى : وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ أي قالوا عن المؤمنين بالقرآن لو كان القرآن خيرا ما سبقنا هؤلاء إليه ، يعنون بلالا وعمارا وصهيبا وخبابا رضي اللّه عنهم ، وأشباههم وأقرانهم من المستضعفين والعبيد والإماء ، وما ذلك إلا لأنهم عند أنفسهم يعتقدون أن لهم عند اللّه وجاهة وله بهم عناية . وقد غلطوا في ذلك غلطا فاحشا وأخطئوا خطأ بينا كما قال تبارك وتعالى : وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَ هؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا [ الأنعام : 53 ] أي يتعجبون كيف اهتدى هؤلاء دوننا ولهذا قالوا : لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ وأما أهل السنة والجماعة ، فيقولون : في كل فعل وقول لم يثبت عن الصحابة رضي اللّه عنهم هو بدعة لأنه لو كان خيرا لسبقونا إليه ، لأنهم لم يتركوا خصلة من خصال الخير إلا وقد بادروا إليها . وقوله تعالى : وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ أي بالقرآن فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ أي كذب قديم أي مأثور عن الناس الأقدمين فينتقصون القرآن وأهله ، وهذا هو الكبر الذي قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم :
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في مناقب الأنصار باب مناقب عبد اللّه بن سلام ، ومسلم فضائل الصحابة حديث 147 ، 148 ، 149 ، 150 .